Enter your email address below and subscribe to our newsletter

المحكم ياسر عبدالله يكتب… تأملات في زمن غاب فيه الإنسان وساد فيه قانون الغابة

Share your love

نعيش اليوم في مفارقة زمنية عجيبة فبينما تبلغ الحضارة المادية والتكنولوجية ذروتها تشهد الإنسانية تراجعا روحيا وأخلاقيا غير مسبوق كأننا في غمرة الركض وراء الماديات والبعد عن منهج الخالق قد خلعنا ثوب الإنسانية المكرمة وعدنا طواعية لنعيش بقوانين الغابة حيث البقاء للأقوى وحيث يُفترس الضعيف بلا رحمة.

كانت هناك صرخة قلم كُتبت يوما تحت عنوان عذراً يا الله لا تقم الساعة ورغم غياب المنبر الذي نُشرت عليه إلا أن الواقع الحالي يجدد الحاجة لإطلاق هذه الصرخة مجددا وبصوت أعلى.

 

إن الفساد المستشري الذي نلمسه اليوم في شتى مناحي الحياة ليس مجرد أزمة إقتصادية أو سياسية بل هو في أصله أزمة روحية حادة فعندما يقرر الإنسان إقصاء العناية الإلهية من حساباته اليومية يفقد بوصلته الأخلاقية الداخلية فغياب الخشية والبعد عن الله يحول القلوب الخاشعة إلى صخور صلبة لا تعرف الرحمة أو الشفقة ففي عالمنا المعاصر أصبحت الأخلاق سلعة تُباع وتُشترى وتحول الضمير من رقيب داخلي إلى أداة تبرير للخطأ والفساد وبالهث وراء السراب ظن الإنسان أن السعادة في مراكمة المادة والشهوات فغرق في أنانيته متناسيا غايته الأسمى على الأرض ورسم قانون الغابة المعاصر ملامح العودة إلى البدائية فعندما تغيب الضوابط الإلهية تصبح المجتمعات البشرية مجرد نسخ مشوهة من الغابات الطبيعية لكن بفارق واحد الحيوانات تقتل لتأكل أما الإنسان الحديث فيظلم ويفسد لمجرد الجشع والتسلط ومن أبرز ملامح هذا التحول هو سيادة المصلحة الفردية المطلقة وأصبح شعار المرحلة “أنا ومن بعدي الطوفان” حيث تآكلت قيم التكافل والإيثار وحل محلها صراع شرس على المكتسبات الشخصية حتى لو كان ثمن ذلك سحق حقوق الآخرين وتبرير الفساد وصناعة الفوضى لم يعد الفساد سلوكا يُمارس في الخفاء بخجل بل تحول في غابة العصر الحديث إلى شطارة وذكاء إجتماعي يُظلم صاحب الحق لأنه ضعيف ويُصفق للفاسد لأنه يمتلك القوة والنفوذ فعند غياب الأمان النفسي والمجتمعي

ويسود قانون الغابة يعيش كل كائن في رعب مستمر من القادم وهذا تماما ما نعيشه الآن حالة من القلق الجماعي وفقدان الثقة بالأمان والمستقبل لأن الروابط التي تحمي البشر وعلى رأسها مخافة الله قد تخلخلت

وهنا صرخة قبل فوات الأوان

فإن العودة إلى الله ليست دعوة لليأس بل هي إعتراف بالذنب وبداية الطريق للإصلاح فلقد أصبحت الأرض تضيق بذنوب أهلها والفساد في البر والبحر هو نتاج مباشر لما كسبت أيدي الناس ولكن باب العودة لم يُغلق بعد فلإسترداد إنسانيتنا يتطلب خطوتين لا بديل عنهما أولا المصالحة مع الخالق بالعودة إلى القيم السماوية التي كرمت الإنسان وجعلت منه خليفة في الأرض لإعمارها لا لإفسادها وثانيا إحياء الضمير الفردي بأن يبدأ كل فرد بإصلاح غابته الصغيرة (نفسه، بيته، عمله) ليعود النور تدريجيا إلى المجتمع ككل.

ختاما نحن لسنا حيوانات في غابة بل نحن بشر كرمنا الله بنفخة من روحه وعلينا أن نختار إما أن نرتقي بهذا التكريم لنستحق الحياة أو أن نستمر في التناحر حتى تأتي تلك الساعة التي نخشى قيامها ونحن على هذه الحال.

شارك
Abdullah Ammar
Abdullah Ammar
المقالات: 132

Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!